الشيخ محمد النهاوندي

122

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقيل : إنّ الخطاب للعدوّ والولي بقوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . وقيل : إنّ الخطاب للذكر والأنثى . وقيل : غير ذلك « 1 » . قيل : كرّرت الآية في هذه السورة المباركة إحدى وثلاثين مرة ، ثمان منها بعد تعداد عجائب خلق اللّه وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم مبالغة في الحثّ على الشكر ، ثمّ سبع منها عقيب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنّم ، وذكر الآلاء عقيبه ؛ لانّ في التخويف بها والبعث على دفعها نعمة توازى النّعم المذكورة ، أو لأنّ ابتلاء الأعداء بها نعمة على المؤمنين ، ثمّ ثمان منها بعد ذكر الجنات ونعمها على عدد أبواب الجنة ، وثمان منها بعد ذكر الجنّتين اللتين دونها ونعمها « 2 » . وقيل : إنّما التفت سبحانه من الغيبة إلى الخطاب ، لكونه أبلغ في التقريع والزجر عن الكفران والتكذيب ، حيث إنّه تعالى نبّه المكذّب الغافل على أنّه كالواقف بين يدي ربّه ، وهو يقول له : إنّي أنعمت عليك بكذا وكذا ، فكيف تكذّب نعمائي ؟ ولا شكّ أن المكذّب يكون عند ذلك أشّد استحياء « 3 » ، وإنّما وصف سبحانه ذاته المقدّسة بالربوبية في الآية ، لكونه المناسب لتعداد نعمائه التي من شؤون ربوبيته . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 14 إلى 16 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) ثمّ لمّا ذكر سبحانه نعمة خلق الانسان وبسط الأرض لأنتفاع الجنّ والانس ، ذكر مبدأ خلقهما إظهارا لكمال قدرته ، وبيانا لاتمام نعمته بقوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ أولا وفي البدو مِنْ صَلْصالٍ وطين نتن أو يابس ، له صليل وصوت إذا وقع بعضه على بعض كَالْفَخَّارِ والطين المطبوخ بالنار ، فانّ مبدأ خلق آدم من تراب جعله طينا ، ثمّ صيّره حمأ مسنونا ، ثمّ صيّره صلصالا وَخَلَقَ الْجَانَّ وهو أبو الجنّ ، أو جنسه مِنْ مارِجٍ وخالص مِنْ نارٍ لا يخالطها دخان ، أو من مختلط منها بالدخان ، أو الهواء . قيل : خلق الجن من عنصرين : النار والهواء ، وخلق الانسان من عنصرين : التّراب والماء « 4 » . وعن مجاهد : المارج هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار « 5 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 95 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 293 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 : 96 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 294 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 294 .